فصل: السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة سبع وسبعمائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة **


ثم إن

 السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة سبع وسبعمائة

ضجر من الحجر عليه من تحكم الأميرين سلار وبيبرش الجاشنكير ومنعه من التصرف وضيق يده وشكا ذلك لخاصته وآستدعى الأمير بكتمر الجوكندار وهو أمير جاندار يوم ذاك في خفية وأعلمه بما عزم عليه من القيام على الأميرين سلار وبيبرس فقرر معه بكتمر أن القلعة إذا أغلقت في الليل وحملت مفاتيحها إلى السلطان على العادة لبست مماليك السلطان السلاح وركبت الخيول من الإسطبل وسارت إلى إسطبلات الأمراء ودقت كوسات السلطان بالقلعة دقًا حربيًا ليجتمع المماليك تحت القلعة ممن هو في طاعة السلطان قال بكتمر‏:‏ وأنا أهجم على بيتي سلار وبيبرس بالقلعة أيضًا‏.‏

قلت‏:‏ أعني أن بكتمر كان سكنه بالقلعة فيهجم هو أيضًا على بيتي سلار وبيبرس بالقلعة أيضًا ويأخذهما قبضًا باليد‏.‏

وكان لكل من بيبرس وسلار أعين عند السلطان فبلغوهما ذلك فاحترزا على أنفسهما وأمر الأمير سيف الدين بلبان الدمشقي والي القلعة وكان خصيصًا بهما أن يوهم أنه أغلق باب القلعة ويطرف أقفالها ويعبر بالمفاتيح إلى السلطان على العادة ففعل ذلك‏.‏

وظن السلطان ومماليكه أنهم قد حصلوا على غرضهم وآنتظروا بكتمر الجوكندار أن يحضر إليهم فلم يحضر فبعثوا إليه فإذا هو مع بيبرس وسلار وقد حلف لهما على القيام معهما‏.‏

فلما طلع النهار ظن السلطان أن بكتمر قد غدر به وترقب المكروه من الأمراء وليس الأمر كذلك وما هو إلا أن سلار وبيبرس لما بلغهما الخبر خرجوا إلى دار النيابة بالقلعة وعزم بيبرس أن يهجم على بكتمر ويقتله فمنعه سلار لما كان عنده من التثبت والتؤدة وأشار بالإرسال إليه ويحضره حتى تبطل حركة السلطان فلما أتى بكتمر الرسول تحير في أمره وقصد الامتناع وألبس مماليكه السلاح ومنعهم وخرج إليهم فعنفه سلار ولامه على ما قصد فأنكر وحلف لهم على أنه معهم وأقام عندهم إلى الصباح ودخل مع الأمراء إلى الخدمة عند الأمير سلار النائب ووقف ألزام سلار وبيبرس على خيولهم بباب الإسطبل مترقبين خروج المماليك السلطانية ولم يدخل أحد من الأمراء إلى خدمة السلطان وتشاوروا‏.‏

وقد أشيع في القاهرة أن الأمراء يريدون قتل السلطان الملك وخرج العامة والأجناد إلى تحت القلعة وبقي الأمراء نهارهم مجتمعين وبعثوا بالاحتراس على السلطان خوفًا من نزوله من باب السر وألبسوا عدة مماليك وأوقفوهم مع الأمير سيف الدين سمك أخي سلار على باب الإسطبل‏.‏

فلما كان نصف الليل وقع بداخل الإسطبل حس وحركة من قيام المماليك السلطانية ولبسهم السلاح لينزلوا بالسلطان على حمية من الإسطبل وتوقعوا الحرب فمنعهم السلطان من ذلك وأراد الأمير سمك إقامة الحرمة فرمى بالنشاب ودق الطبل فوقع سهم من النشاب بالرفرف السلطاني وآستمر الحال على ذلك إلى أذان العصر من الغد فبعث السلطان إلى الأمراء يقول‏:‏ ‏"‏ ما سبب هذا الركوب على باب إسطبلي إن كان غرضكم في الملك فما أنا متطلع إليه فخذوه وابعثوني أي موضع أردتم‏!‏ ‏"‏ فردوا إليه الجواب مع الأمير بيبرس الدوادار والأمير عز الدين أيبك الخازندار والأمير برلغي الأشرفي بأن السبب هو من عند السلطان من المماليك الذين يحرضونه على الأمراء فأنكر أن يكون أحد من مماليكه ذكر له شيئًا عن الأمراء وفي عود الجواب من عند السلطان وقعت صيحة بالقلعة سببها أن العامة كان جمعهم قد كثر وكان عادتهم أنهم لا يريدون أن يلي الملك أحذ من المماليك بل إن كان ولا بد يكون الذي يلي الملك من بني قلاوون‏.‏

وكانوا مع ذلك شديدي المحبة للملك الناصر محمد بن قلاوون‏.‏

فلما رأوا العامة أن الملك الناصر قد وقف بالرفرف من القلعة وحواشي بيبرس وسلار قد وقفوا على باب الإسطبل محاصرينه حنقوا من ذلك وصرخوا ثم حملوا يدًا واحدة على الأمراء بباب الإسطبل وهم يقولون‏:‏ ‏"‏ يا ناصر‏!‏ يا منصور‏!‏ ‏"‏ فأراد سمك قتالهم فمنعه من كان معه من الأمراء وخوفه الكسرة من العوام فتقهقروا عن باب الإسطبل السلطاني وسطا عليهم العامة وأفحشوا في حقهم‏.‏

وبلغ ذلك بيبرس وسلار فأركبا الأمير بتخاص المنصوري في عدة مماليك فنزلوا إلى العامة ينحونهم ويضربونهم بالدبابيس ليتفرقوا فآشتد صياحهم‏:‏ يا ناصر‏!‏ يا منصور‏!‏ وتكاثر جمعهم وصاروا يدعون للسلطان ويقولون‏:‏ الله يخون الخائن الله يخون من يخون ابن قلاوون‏!‏ ثم حملت طائفة منهم على بتخاص ورجمته طائفة أخرى فجرد السيف ليضعه فيهم فخشي تكاثرهم عليه فأخذ يلاطفهم وقال لهم‏:‏ طيبوا خاطركم فإن السلطان قد طاب خاطره على أمرائه وما زال يحلف لهم حتى تفرقوا‏.‏

وعاد بتخاص إلى سلار وبيبرس وعرفهم شدة تعصب العامة للسلطان فبعث الأمراء عند ذلك ثانيًا إلى السلطان بأنهم مماليكه وفي طاعته ولا بد من إخراج الشباب الذين يرمون الفتنة بين السلطان والأمراء فامتنع السلطان من ذلك وآشتد فما زال به بيبرس الدوادار وبرلغي حتى أخرج منهم جماعة وهم‏:‏ يلبغا التركماني وأيدمر المرقبي وخاص ترك فهددهم بيبرس وسلار ووبخاهم وقصد سلار أن يقيدهم فلم توافق الأمراء على ذلك رعاية لخاطر السلطان فأخرجوا إلى القدس من وقتهم على البريد‏.‏

ودخل جميع الأمراء على السلطان وقبلوا الأرض ثم قبلوا يده فخلع على الأمير بيبرس وسلار‏.‏

ثم سأل الأمراء السلطان أن يركب في أمرائه إلى الجبل الأحمر حتى تطمئن قلوب العامة عليه ويعلموا أن الفتنة قد خمدت فأجاب لذلك‏.‏

وبات ليلته في قلق زائد وكرب عظيم لإخراج مماليكه المذكورين إلى القدس‏.‏

ثم ركب بالأمراء من الغد إلى قبة النصر تحت الجبل الأحمر وعاد بعد ما قال لبيبرس وسلار‏:‏ إن سبب الفتنة إنما كان من بكتمر الجوكندار وذلك أنه رآه قد ركب بجانب الأمير بيبرس الجاشنكير وحادثه فتذكر غدره به فشق عليه ذلك‏.‏

فتلطفوا به في أمره فقال‏:‏ ‏"‏ والله ما بقيت لي عين تنظر إليه ومتى أقام في مصر لا جلست على كرسي الملك أبدًا ‏"‏ فأخرج من وقته إلى قلعة الصبيبة واستقر عوضه أمير جاندار الأمير بدر الدين بكتوب الفتاح‏.‏

فلما مات سنقرشاه بعد ذلك آستقر بكتمر الجوكندار في نيابة صفد عوضه فنقل إليها من الصبيبة‏.‏

وآجتاز السلطان بخانقاه الأمير بيبرس الجاشنكير داخل باب النصر فرآها في ممره وكان قد نجز العمل منها في هذه الأيام وطلع السلطان إلى القلعة وسكن الحال والأمراء في حصر من جهة العامة من تعصبهم للسلطان والسلطان في حصر بسبب حجر الأمراء عليه وإخراج مماليكه من عنده‏.‏

وآستمر ذلك إلى أن كان العاشر من جمادى الآخرة من سنة ثمان وسبعمائة عدى السلطان الجيزة وأقام حول الأهرام يتصيد عشرين يومًا وعاد وقد ضاق صدره وصار في غاية الحصر من تحكم بيبرس الجاشنكير وسلار عليه وعدم تصرفه في الدولة من كل ما يريد حتى إنه لا يصل إلى ما تشتهي نفسه من المأكل لقلة المرتب له‏!‏ فلولا ما كان يتحصل له من أملاكه وأوقاف أبيه لما وجد سبيلًا لبلوغ بعض أغراضه وطال الأمر عليه سنين فأخذ في عمل مصلحة نفسه وأظهر أنه يريد الحج بعياله وحدث بيبرس وسلار في ذلك يوم النصف من شهر رمضان فوافقاه عليه وأعجب البرجية خشداشية بيبرس سفره لينالوا أغراضهم وشرعوا في تجهيزه وكتب إلى دمشق والكرك وغزة برمي الإقامات وألزم عرب الشرقية بحمل الشعير فتهيأ ذلك‏.‏

وأحضر الأمراء تقادمهم له من الخيل والجمال في العشرين من شهر رمضان فقبلها منهم وشكرهم على ذلك‏.‏

وركب في خامس عشرين شهر رمضان من القلعة يريد السفر إلى الحج ونزل من القلعة ومعه جميع الأمراء وخرج العامة حوله وحاذوا بينه وبين الأمراء وهم يتباكون حوله ويتأسفون على فراقه ويدعون له إلى أن نزل بركة الحجاج‏.‏

وتعين للسفر مع السلطان من الأمراء‏:‏ عز الدين أيدمر الخطيري الأستادار وسيف الدين آل ملك الجوكندار وحسام الدين قرا لاجين أمير مجلس وسيف الدين بلبان أمير جاندار وعز الدين أيبك الرومي السلاح دار وركن الدين بيبرس الأحمدي وعلم الدين سنجر الجمقدار وسيف الدين تقطاي الساقي وشمس الدين سنقر السعدي النقيب ومن المماليك خمسة وسبعون نفرًا‏.‏

وودعه سلار وبيبرس بمن معهم من الأمراء وهم على خيولهم من غير أن يترجلوا له وعاد الأمراء‏.‏

ورحل السلطان من ليلته وخرج إلى جهة الصالحية وتصيد بها ثم سار إلى الكرك ومعه من الخيل مائة وخمسون فرسًا فوصل إلى الكرك في يوم الأحد عاشر شوال بمن معه من الأمراء ومماليكه‏.‏

واحتفل الأمير جمال الدين آقوش الأشرفي نائب الكرك بقدومه وقام له بما يليق به وزين له القلعة والمدينة وفتح له باب السر من قلعة الكرك ومد الجسر على الخندق وكان له مدة سنين لم يمد وقد ساس خشبه لطول مكثه‏.‏

فلما عبرت الدواب عليه وأتى السلطان في آخرهم آنكسر الجسر تحت رجلي فرس السلطان بعدما تعدى يدا الفرس الجسر فكاد فرس السلطان أن يسقط لولا أنهم جبدوا عنان الفرس حتى خرج من الجسر وهو سالم وسقط الأمير بلبان طرنا أمير جاندار وجماعة كثيرة ولم يمت منهم سوى رجل واحد وسقط أكثر خاصكية السلطان في الخندق وسلموا كلهم إلا اثنين وهم‏:‏ الحاج عز الدين أزدمر رأس نوبة الجمدارية آنقطع نخاعه وبطل وعاش كذلك لسنة ست عشرة وسبعمائة والآخر مات لوقته‏.‏

قال ابن كثير في تاريخه‏:‏ ولما توسط السلطان الجسر آنكسر فسلم من كان قدامه وقفز به فرسه فسلم وسقط من كان وراءه وكانوا خمسين فمات أربعة وتهشم أكثرهم في الوادي تحته‏.‏

انتهى‏.‏

وقال غيره‏:‏ لما انقطعت سلسلة الجسر وتمزق الخشب صرخ السلطان على فرسه وكان قد نزلت رجله في الخشب فوثب الفرس إلى داخل الباب ووقع كل من كان على الجسر وكانوا أكثر من مائة مملوك فوقعوا في الخندق فمات منهم سبعة وآنهشم منهم خلق كثير وضاق صدر السلطان فقيل له‏:‏ هذه شدة يأتي من بعدها فرج‏.‏

وجلس السلطان بقلعة الكرك ووقف نائبها الأمير آقوش خجلًا وجلًا خائفًا أن يتوهم السلطان أن يكون ذلك مكيدة منه في حقه وكان النائب المذكور قد عمل ضيافة عظيمة للسلطان غرم عليها جملة مستكثرة فلم تقع الموقع لاشتغال السلطان بهمه وبما جرى على مماليكه وخاصكيته‏.‏

ثم إن السلطان سأل الأمير آقوش عن الجسر المذكور فقال‏:‏ ما سبب انقطاعه فقال آقوش بعد أن قبل الأرض‏:‏ أيد الله مولانا السلطان هذا الجسر عتيق وثقل بالرجال فما حمل فقال السلطان‏:‏ صدقت ثم خلع عليه وأمره بالانصراف‏.‏

وعندما آستقر السلطان بقلعة الكرك عرف الأمراء أنه قد انثنى عزمه عن الحج وآختار الإقامة بالكرك وترك السلطنة وخلع نفسه ليستريح خاطره‏.‏

وقال آبن كثير‏:‏ لما جرى على السلطان ما جرى واستقر في قلعة الكرك خلع على النائب وأذن له في التوجه إلى مصر فسافر‏.‏

وقال صاحب النزهة‏:‏ لما بات السلطان تلك الليلة في القلعة وأصبح طلب نائب الكرك وقال له‏:‏ يا جمال الدين سافر إلى مصر وآجتمع بخشداشيتك فباس الأرض وقال‏:‏ السمع والطاعة‏.‏

ثم إنه خرج في تلك الساعة بمماليكه وكل من يلوذ به‏.‏

ثم بعد ثلاثة أيام نادى السلطان بالقلعة والكرك‏:‏ لا يبقى هنا أحد لا كبير ولا صغير حتى يخرج فيجيب ثلاثة أحجار من خارج البلد فخرج كل من بالقلعة والبلد‏.‏

ثم إن السلطان أغلق باب الكرك ورجعت الناس ومعهم الأحجار فرأوا الباب مغلقًا فقيل لهم‏:‏ كل من له أولاد أو حريم يخرج إليه ولا يبقى أحد بالكرك فخرج الناس بمتاعهم وأولادهم وأموالهم وما أمسى المساء وبقي في الكرك أحد من أهلها غيره ومماليكه‏.‏

ثم طلب مملوكه أرغون الدوادار وقال له‏:‏ سر إلى عقبة أيلة وأحضر بيتي وأولادي فسار إليهم أرغون وأقدمهم عليه‏.‏

ووجد الملك الناصر من الأموال بالكرك سبعة وعشرين ألف دينار عينًا وألف ألف درهم وسبعمائة ألف درهم‏.‏

ثم إن السلطان طلب الأمراء الذين قدموا معه وعرفهم أنه اختار الإقامة بالكرك كما كان أولًا وأنه ترك السلطنة فشق عليهم ذلك وبكوا وقبلوا الأرض يتضرعون إليه في ترك هذا الخاطر وكشفوا رؤوسهم فلم يقبل ولا رجع إلى قولهم‏.‏

ثم استدعى القاضي علاء الدين علي بن أحمد بن سعيد بن الأثير كاتب السر وكان قد توجه معه وأمره أن يكتب للأمراء بالسلام عليهم ويعرفهم أنه قد رجع عن الحج وأقام بالكرك ونزل عن السلطنة وسألهم الإنعام عليه بالكرك والشوبك وأعطى الكتب للأمراء وأمرهم بالعودة إلى الديار المصرية وأعطاهم الهجن التي كانت معه برسم الحج وعدتها خمسمائة هجين والجمال والمال الذي قدمه له الأمراء برسم التقدمة قبل خروجه من القاهرة فساروا الجميع إلى القاهرة‏.‏

وأما إخراج السلطان أهل قلعة الكرك منها لأنه قال‏:‏ أنا أعلم كيف باعوا الملك السعيد بركة خان آبن الملك الظاهر بيبرس بالمال لطرنطاي‏!‏ فلا يجاورونني فخرج كل من كان فيها بأموالهم وحريمهم من غير أن يتعرض إليهم أحد البتة‏.‏

وأما النائب آقوش فإنه أخذ حريمه وسافر إلى مصر بعد أن قدم ما كان له من الغلال إلى السلطان وهو شيء كثير فقبله السلطان منه‏.‏

فلما قدم آقوش إلى مصر قال له سلار وبيبرس‏:‏ من أمرك بتمكين السلطان من الطلوع إلى القلعة يعني قلعة الكرك فقال‏:‏ كتابكم وصل إلي يأمرني بأن أنزل إليه وأطلعه إلى القلعة فقال‏:‏ وأين الكتاب فأخرجه فقالا‏:‏ هذا غير الكتاب الذي كتبناه فآطلبوا ألطنبغا فطلبوه فوجدوه قد هرب إلى الكرك عند السلطان فسكتوا عنه‏.‏

انتهى‏.‏

وأما الكتاب الذي كتبه الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك إلى بيبرس وسلار مضمونه‏:‏ ‏"‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏

حرس الله تعالى نعمة الجنابين العاليين الكبيرين الغازيين المجاهدين وفقهما الله تعالى توفيق العارفين‏!‏ أما بعد فقد طلعت إلى قلعة الكرك وهي من بعض قلاعي وملكي وقد عولت على الإقامة فيها فإن كنتم مماليكي ومماليك أبي فأطيعوا نائبي يعني نائبه سلار ولا تخالفوه في أمر من الأمور ولا تعملوا شيئًا حتى تشاوروني فأنا ما أريد لكم إلا الخير وما طلعت إلى هذا المكان إلا لأنه أروح لي وأقل كلفة وإن كنتم ما تسمعون مني فأنا متوكل على الله والسلام ‏"‏‏.‏

فلما وصل الكتاب إلى الأمراء قرأوه وتشاوروا ساعة ثم قاموا من باب القلعة وذهبوا إلى دار بيبرس وآتفقوا على أن يرسلوا إلى الملك الناصر كتابًا فكتبوه وأرسلوه مع البرواني على البريدة فسار البرواني إلى أن وصل إلى الكرك واجتمع بالملك الناصر وقبل الأرض بين يديه وناوله الكتاب فأعطاه الملك الناصر لأرغون الدوادار فقرأه فتبسم السلطان وقال‏:‏ لا إله إلا الله‏!‏ وكان في الكتاب‏:‏ ‏"‏ ما علمنا ما عولت عليه وطلوعك إلى قلعة الكرك وإخراج أهلها وتشييعك نائبها وهذا أمل بعيد فحل عنك شغل الصبي وقم وآحضر إلينا وإلا بعد ذلك تطلب الحضور ولا يصح لك وتندم ولا ينفعك الندم‏.‏

فيا ليت لو علمنا ما كان‏.‏

وقع في خاطرك وما عولت عليه غير أن لكل ملك آنصرام ولانقضاء الدولة أحكام ولحلول الأقدار سهام ولأجل هذا أمرك غيك بالتطويل وحسن لك زخرف الأقاويل فالله الله حال وقوفك على هذا الكتاب يكون الجواب حضورك بنفسك ومعك مماليكك وإلا تعلم أنا ما نخليك في الكرك ولو كثر شاكروك ويخرج الملك من يدك والسلام ‏"‏‏.‏

فقال الملك الناصر‏:‏ لا إله إلا الله كيف أظهروا ما في صدورهم‏!‏ ثم أمر بإحضار آلة مثل العصائب والسناجق والكوسات وكل ما كان معه من آلة الملك وسلمها إلى البرواني وقال له‏:‏ قل لسلار ‏"‏ ما أخذت لكم شيئًا من بيت المال وهذا الذي أخذته قد سيرته لكم وآنظروا في حالكم فأنا ما بقيت أعمل سلطانًا وأنتم على هذه الصورة‏!‏ فدعوني أنا في هذه القلعة منعزلًا عنكم إلى أن يفرج الله تعالى إما بالموت وإما بغيره ‏"‏‏.‏

فأخذ البرواني الكتاب وجميع ما أعطاه السلطان وسار إلى أن وصل إلى الديار المصرية ودفع الكتاب لسلار وبيبرس فلما قرآ الكتاب قالا‏:‏ ‏"‏ ولو كان هذا الصبي يجيء ما بقي يفلح ولا يصلح للسلطنة وأي وقت عاد إلى السلطنة لا نأمن غدره ‏"‏‏.‏

فلما سمعت الأمراء ذلك اجتمعت على سلطنة الأمير سلار فخاف سلار من ذلك وخشي العاقبة فامتنع فآختار الأمراء ركن الدين بيبرس الجاشنكير وأكثرهم البرجية فإنهم خشداشيته‏.‏

وبويع له بعد أن أثبت كتاب الملك الناصر محمد بن قلاوون على القضاة بالديار المصرية بأنه خلع نفسه وكانت البيعة لبيبرس في الثالث والعشرين من شوال من سنة ثمان وسبعمائة في يوم السبت بعد العصر في دار سلار‏.‏

يأتي ذكر ذلك كله في أول ترجمة بيبرس إن شاء الله تعالى‏.‏

وكانت مدة سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون في هذه المرة الثانية عشر سنين وخمسة أشهر وتسعة عشر يومًا‏.‏

وتأتي بقية ترجمته في سلطنته الثالثة بعد أن نذكر سلطنة بيبرس وأيامه كما نذكر أيام الملك الناصر هذا قبل ترجمة بيبرس المذكور على عادة هذا الكتاب إن شاء الله تعالى‏.‏

والحمد لله وحده‏.‏

على مصر وهي سنة ثمان وتسعين وستمائة على أن الملك المنصور لاجين كان حكم منها مائة يوم‏.‏

فيها كان قتل الملك المنصور حسام الدين لاجين المذكور ومملوكه منكوتمر حسب ما تقدم‏.‏

وفيها في العشر الأوسط من المحرم ظهر كوكب ذو ذؤابة في السماء ما بين أواخر برج الثور إلى أول برج الجوزاء وكانت ذؤابته إلى ناحية الشمال وكان في العشر الأخير من كانون الثاني وهو شهر طوبة‏.‏

وفيها توفي القاضي نظام الدين أحمد ابن الشيخ الإمام العلامه جمال الدين محمود بن أحمد بن عبد السلام الحصيري الحنفي في يوم الخميس ثامن المحرم ودفن يوم الجمعة بمقابر الصوفية بدمشق عند والده وكان إمامًا عالمًا بارعًا ذكيًا وله ذهن جيد وعبارة طلقة مفيدة ودرس بالنورية وغيرها وأفتى سنين وأقرأ وناب في الحكم بدمشق عن قاضي القضاة حسام الدين الحنفي وحسنت سيرته رحمه الله‏.‏

وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك الموصلي نائب طرابلس والفتوحات الطرابلسية في أول صفر مسمومًا‏.‏

وكان من أجل الأمراء وله مواقف مشهورة‏.‏

وفيها توفي قتيلًا الأمير سيف الدين طغجي بن عبد الله الأشرفي‏.‏

أصله من مماليك الملك الأشرف خليل بن قلاوون‏.‏

وقتل أيضًا الأمير سيف الدين كرجي والأمير نوغاي الكرموني السلاح دار وهؤلاء الذين قتلوا السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين ومملوكه منكوتمر ثم قتلوا بعده بثلاثة أيام حسب ما تقدم ذكر ذلك كله في آخر ترجمة الملك المنصور لاجين مفصلًا وقتل معهم تمام آثني عشر نفرًا من الأمراء والخاصكية ممن تألبوا على قتل لاجين‏.‏

وفيها توفي الأمير بدر الدين بدر الصوابي أحد أمراء الألوف بدمشق في ليلة الخميس تاسع جمادى الأولى بقرية الخيارة‏.‏

كان خرج إليها فمرض بها ومات وقيل بل مات فجأة - وهو الأصح - فحمل منها إلى جبل قاسيون ودفن بتربته التي أعدها لنفسه‏.‏

وكان أميرًا مباركًا صالحًا دينًا خيرًا‏.‏

قال عز الدين بن عبد الدائم‏:‏ أقام أمير مائة ومقدم ألف أكثر من أربعين سنة وولي إمرة الحاج بدمشق غير مرة‏.‏

رحمه الله‏.‏

وفيها توفي العلامة حجة العرب الإمام الأستاذ بهاء الدين أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي النحوي المعروف بابن النحاس‏.‏

مات بالقاهرة في يوم الثلاثاء سابع جمادى الأولى وأخرج من الغد ودفن بالقرافة بالقرب من تربة الملك المنصور لاجين ومولده في سنة سبع وعشرين وستمائة بحلب وكان إمامًا عالمًا علامة بارعًا في العربية نادرة عصره في فنون كثيرة‏.‏

وله نظم ونثر‏.‏

قال العلامة أثير الدين أبو حيان‏:‏ حدثنا الشيخ بهاء الدين آبن النحاس قال‏:‏ اجتمعت أنا والشهاب مسعود السنبلي والضياء المناوي فأنشد كل منا له بيتين فكان الذي أنشده السنبلي في مليح مكاري‏:‏ علقته مكاريًا شرد عن عيني الكرى قد أشبه البدر فلا يمل من طول السرى وأنشد المناوي في مليح آسمه جمري‏:‏ أفدي الذي يكبت بدر الدجى لحسنه الباهر من عبده سموه جمريًا وما أنصفوا ما فيه جمري سوى خده وأنشد الشيخ بهاء الدين هذا في مليح مشروط‏:‏ قلت لما شرطوه وجرى لحمه القاني على الوجه اليقق غير بدع ما أتوا في فعلهم هو بدر ستروه بالشفق قلت‏:‏ ونظم الثلاثة نظم متوسط ليس بالطبقة العليا‏.‏

وأحسن من الأول قول من قال‏:‏ أفدي مكاريًا تراه إذا سعى كالبرق ينتهب العيون ويخطف أخذ الكرا مني وأحرمني الكرى بيني وبينك يا مكاري الموقف وأحسن من الأخير قول من قال وهو نجم الدين عبد المجيد بن محمد التنوخي‏:‏ ملك الفؤاد بغير شر - - ط حسنه والشرط أملك غيره في المعنى‏:‏ شرطوه فبكى من ألم فغدا ما بين دمع ودم ناثرًا من ذا ومن ذا لؤلؤًا وعقيقًا ليس بالمنتظم وفيها توفي الصاحب تقي الدين أبو البقاء توبة بن علي بن مهاجر بن شجاع بن توبة التكريتي في ليلة الخميس ثامن جمادى الآخرة ودفن بقاسيون‏.‏

وكان رئيسًا فاضلًا ولي الوزر بدمشق لخمسة سلاطين‏:‏ أولهم المنصور قلاوون ثانيهم آبنه الأشرف خليل ثم لأخيه الناصر محمد ثم للعادل كتبغا ثم للمنصور لاجين‏.‏

انتهى‏.‏

وكان مولده سنة عشرين وستمائة‏.‏

وفيها في أول ذي القعدة وقيل في شوال توفي بالقاهرة الأمير الكبير بدر الدين بيسري بن عبد الله الشمسي الصالحي النجمي بالسجن بقلعة الجبل ودفن بتربته بالقاهرة‏.‏

كان أميرًا جليلًا معظمًا في الدول كان الظاهر بيبرس يقول‏:‏ هذا ابن سلطاننا في بلادنا‏!‏ وعرضت عليه السلطنة لما قتل الملك الأشرف خليل ابن قلاوون فامتنع وكانت قد عرضت عليه قبل ذلك بعد الملك السعيد بن الظاهر فلم يقبل وهو آخر من بقي من أكابر مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب وترقى حتى صار أمير مائة ومقدم ألف وعظم في الدول حتى قبض عليه خشداشه المنصور قلاوون وحبسه تسع سنين إلى أن أطلقه آبنه الأشرف خليل وأعاده إلى رتبته فاستمر إلى أن قبض عليه المنصور لاجين وحبسه إلى أن قتل لاجين وأعيد الناصر محمد بن قلاوون فكلموه في إطلاقه فأبى إلا حبسه إلى أن مات في الجب‏.‏

وكانت له دار عظيمة ببين القصرين وقد تغيرت رسومها الآن‏.‏

وكان عالي الهمة كثير الصدقات والمعروف كان عليه في أيام إمرته رواتب لجماعة من مماليكه وحواشيه وخدمه فكان يرتب لبعضهم في اليوم من اللحم سبعين رطلًا وما تحتاج إليه من التوابل وسبعين عليقة ولأقلهم خمسة أرطال وخمس علائق وما بين ذلك وكان ما يحتاج إليه في كل يوم لسماطه ولدوره والمرتب عليه ثلاثة آلاف رطل لحم وثلاثة آلاف عليقة في كل يوم وكانت صدقته على الفقير ما فوق الخمسمائة ولا يعطي أقل من ذلك وكان إنعامه ألف إردب غلة وألف قنطار عسل وألف دينار وأشياء يطول شرحها‏.‏

وفي الجملة أنه كان من أعظم أمراء مصر بلا مدافعة‏.‏

وبيسري‏:‏ آسم مركب من لفظتين‏:‏ تركية وعجمية وصوابه في الكتابة باي سري فباي في اللغة التركية بالتفخيم هو السعيد وسري بالعجمي الرأس فمعنى الاسم سعيد الرأس‏.‏

قلت‏:‏ وكان سعيد الرأس كما قيل وهذا بخلاف مذهب النحاة فإن هذا الاسم عين المسمى‏.‏

انتهى‏.‏

وفيها توفي الأستاذ جمال الدين أبو المجد ياقوت بن عبد الله المستعصمي الرومي الطواشي صاحب الخط البديع الذي شاع ذكره شرقًا وغربًا‏.‏

كان خصيصًا عند أستاذه الخليفة المستعصم بالله العباسي آخر خلفاء بني العباس ببغداد‏.‏

رباه وأدبه وتعهده حتى برع في الأدب ونظم ونثر وانتهت إليه الرياسة في الخط المنسوب‏.‏

وقد سمي بهذا الاسم جماعة كثيرة قد ذكر غالبهم في هذا التاريخ منهم كتاب وغير كتاب وهم‏:‏ ياقوت أبو الدر الكاتب مولى أبي المعالي أحمد بن علي بن النجار التاجر الرومي وفاته بدمشق سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وياقوت الصقلبي الجمالي أبو الحسن مولى الخليفة المسترشد العباسي وفاته سنة ثلاث وستين وخمسمائة وياقوت أبو سعيد مولى أبي عبد الله عيسى بن هبة الله بن النقاش وفاته سنة أربع وسبعين وخمسمائة وياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب أمين الدين المعروف بالملكي نسبة إلى أستاذه السلطان ملكشاه السلجوقي وياقوت هذا أيضًا ممن آنتشر خطه في الآفاق ووفاته بالموصل سنة ثماني عشرة وستمائة وياقوت بن عبد الله الحموي الرومي شهاب الدين أبو الدر‏:‏ كان من خدام بعض التجار ببغداد يعرف بعسكر الحموي وياقوت هذا هو صاحب التصانيف والخط أيضًا ووفاته سنة ست وعشرين وستمائة وياقوت بن عبد الله مهذب الدين الرومي مولى أبي منصور التاجر الجيلي وياقوت هذا كان شاعرًا ماهرًا وهو صاحب القصيدة التي أولها‏:‏ ووفاته سنة آثنتين وعشرين وستمائة‏.‏

فهؤلاء الذين تقدموا ياقوت المستعصمي صاحب الترجمة بالوفاة وكل منهم له ترجمة وفضيلة وخط وشعر‏.‏

وقد تقدم ذكر غالبهم في هذا الكتاب وإنما ذكرناهم هنا جملة لكون جماعات كثيرة من الناس مهما رأوه من الخطوط والتصانيف يقرأوه لياقوت المستعصمي وليس الأمر كذلك بل فيهم من رجح خطه ابن خلكان على ياقوت هذا‏.‏

قلت‏:‏ وقد خرجنا عن المقصود لكثرة الفائدة ولنعد إلى بقية ترجمة ياقوت المستعصمي‏.‏

فمن شعره قوله‏:‏ تجدد الشمس شوقي كلما طلعت إلى محياك يا سمعي ويا بصري وأسهر الليل ذا أنس بوحشته إذ طيب ذكرك في ظلمائه سمري وكل يوم مضى لي لا أراك به فلست محتسبًا ماضيه من عمري ليلي نهاري إذا ما درت في خلدي لأن ذكرك نور القلب والبصر وله أيضًا‏:‏ صدقتم في الوشاة وقد مضى في حبكم عمري وفي تكذيبها وزعمتم أني مللت حديثكم من ذا يمل من الحياة وطيبها الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري ومن الغد قتل نائبه منكوتمر ثم قتلوا الأميرين كرجي وطغجي الأشرفيين‏.‏

وأحضر السلطان الملك الناصر وعاد إلى السلطنة‏.‏

وفيها توفي الإمام جمال الدين محمد بن سليمان بن النقيب الحنفي صاحب التفسير بالقدس في المحرم‏.‏

والعلامة بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم أبو عبد الله الحلبي آبن النحاس في جمادى الأولى‏.‏

والصاحب تقي الدين توبة بن علي بن مهاجر التكريتي في جمادى الآخرة‏.‏

والزاهد الملقن علي بن محمد بن علي بن بقاء الصالحي في شوال‏.‏

والمسند ناصر الدين عمر بن عبد المنعم بن عمر بن القواس في ذي القعدة‏.‏

وصاحب حماة الملك المظفر تقي الدين محمود ابن المنصور محمد بن محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه‏.‏

والملك الأوحد يوسف ابن الملك الناصر داود بن المعظم عيسى‏.‏

والعماد عبد الحافظ بن بدران بن شبل النابلسي في ذي الحجة وقد قارب التسعين‏.‏

أمر النيل في هذه السنة‏:‏ الماء القديم خمس أذرع وأصابع‏.‏

مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعًا وست عشرة إصبعًا‏.‏